JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

21 لماذا قدم الله الإنسان على البشر - كل الأخبار والمستجدات {كلية اللغة العربية} جامعة القاضي عياض مراكش -->

لماذا قدم الله الإنسان على البشر

 بين الطين والروح: ثنائية "البشر" و"الإنسان" في البيان القرآني


يعتقد الكثيرون في وهلة القراءة الأولى أن الألفاظ في القرآن الكريم قد تترادف، ولكن عند الغوص في الدقة البيانية نجد أن كل كلمة وضعت بميزان لا يغني عنه غيره. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ثنائية (البشر) و(الإنسان)، اللذين يمثلان وجهين لحقيقة واحدة، لكنهما يفترقان في الجوهر والرسالة.
أولاً: "البشر".. احتفاء بالمادة والمماثلة
كلمة (بشر) في الاستعمال القرآني تنحاز دوماً إلى الجانب المادي الصرف. فهي مشتقة من "البشرة"؛ أي ظاهر الجلد، وهذا يشير إلى الكائن بصفته تكويناً بيولوجياً يرى بالعين. حين يتحدث القرآن عن الخلق من طين، أو عن الأكل والشرب، أو عن المماثلة الجسدية بين الأنبياء وأقوامهم، يحضر لفظ "البشر".
ففي قوله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ}، كان السياق يتحدث عن مرحلة التكوين الأولي، قبل أن تنفخ الروح وقبل أن تبدأ وظيفة العقل. كذلك نجد أن مريم عليها السلام حين تساءلت عن كيفية الإنجاب قالت: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}، لأن المساس فعل مادي بحت يتصل بالجسد. فـ "البشر" هو الوعاء المادي الذي يحمل السر الإلهي.
ثانياً: "الإنسان".. وعاء الأعراض والتكليف
بمجرد أن ننتقل من عالم المادة إلى عالم الروح والعقل والمسؤولية، ينسحب لفظ "البشر" ليحل محله لفظ "الإنسان". هذا المصطلح يحمل في طياته "الأعراض" النفسية والعقلية؛ فالإنسان هو الكائن الذي يأنس، ينسى، يتعلم، يطغى، ويجزع.
إن القرآن يستخدم "الإنسان" في سياقات التكريم والبيان، كما في قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. فالعلم عَرَضٌ روحي لا مادي، والتعلم وظيفة "الإنسانية" لا "البشرية". كما ينسب إليه الصفات النفسية المتقلبة كقوله: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} و {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا}. فالبشر لا يوصف بالعجلة أو الضعف النفسي من حيث هو هيكل، بل الإنسان من حيث هو شخصية اعتبارية.
ثالثاً: أسرار أسبقية "الإنسان" في النزول
من لطائف الإعجاز التاريخي للقرآن أن أول كلمة طرقت أسماع النبي ﷺ لوصف هذا الكائن كانت "إنسان" في سورة العلق: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}. ولم تأتِ كلمة "بشر" إلا لاحقاً في سورة المدثر.
هذه الأسبقية ليست عفوية، بل هي إعلان لمهمة الوحي الأساسية. فالقرآن لم ينزل ليخاطب "البشر" في تكوينه الطيني، بل نزل ليخاطب "الإنسان" في أهليته للتعلم والقراءة. لقد أراد الخالق سبحانه أن يعرّفنا بأن قيمتنا لا تكمن في مادة "العلق" التي خُلقنا منها، بل في مرتبة "الإنسان" التي استحق بها أن يُعلّمه الله بالقلم.
خاتمة
إن الفرق بين "البشر" و"الإنسان" في القرآن هو الفرق بين "الوسيلة" و"الغاية". فالبشر هو الأداة المادية والمادة الخام، والإنسان هو الجوهر المكلف والروح الواعية. وبقدر ما يرتقي الكائن في علمه وقيمه، يبتعد عن حدود "بشريته" الضيقة ليحقق كمال "إنسانيته" التي أرادها الله له حين قال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.

author-img

Admin

سلام عليكم ورحمه الله وبركاته اخواني الكرام.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة